وكالة أنباء العرب بوست

:[Beirut] -
12/17/2018
Tuesday, January 27, 2015 ۱۱:۲۲ |

المقصّات تحاصر الدراما السوريّة.. ولائحة الممنوعات طويلة

[-] النص [+]

 

ظنّ المنتج هلال أرناؤوط، أنّ مشاركة نجوم من طراز عابد فهد وسلافة معمار وكاريس بشّار في عمله الأخير «قلم حمرة»، كفيلٌ بتسويق المسلسل الذي تناول الجرح السوري، واعتمده رافعةً دراميّة لسلسلةٍ من ثلاثين حلقة. لكنّ حسابات قمحِ المدير العام لشركة «إيبلا الدوليّة للإنتاج الفنيّ والتوزيع»، لم تطابق حسابات بيدر الفضائيّات العربيّة. فتلفزيونات «أبو ظبي» و «دبي» و «إم بي سي» و «روتانا» أدارت ظهرها للعمل الذي كتبت نصّه يم مشهدي وأخرجه حاتم علي، حالها في ذلك حال الفضائيات اللبنانية التي لم تشأ الخوضَ في ملابسات الراهن الدمويّ في سوريا، فاكتفى العمل بعرضٍ يتيم على قناة «السومريّة» العراقيّة.
لم تكن حظوظ «المؤسّسة العامة للإنتاج التلفزيوني والإذاعيّ» أفضل حالاً، فتناولْ الواقع السوري في مسلسليّ «القربان» و «الحبّ كله» شكّل واحدة من علامات سلبيّة كثيرةٍ حالت دون حصولهما على فرصِ عرضٍ عربيّة لائقة، الأمر الذي أوشك أن يصير سمةً عامّة تحكم أغلب إنتاجات المؤسّسة.
مشاريع مجهضة
شركة «سما الفن» (سوريّة الدولية سابقاً) لم تنجُ من «فيتو الفضائيّات»، وعلى الرّغم من كثافة النجوم الذين استعانت بهم لضمان تسويق أعمالها خلال الموسم الماضي، إلا أنّ أبواب المحطّات ظلّت موصدةً في وجه مسلسلاتها لاعتباراتٍ كثيرة يُشكّل تناول المأساة السوريّة واحداً منها. فلم ينجح اعتماد الشّركة على ثنائيّة (ممدوح حمادة/ الليث حجّو) الرّابحة عادةً في كسر الحصار المفروض على الدراما التي تحاكي واقعاً سوريّاً صرفاً، فكانت محطّة «أل بي سي آي» المنبر العربيّ الوحيد الّذي عرض مسلسلات «ضبّوا الشناتي» و «بواب الريح» (نصّ خلدون قتلان/ إخراج المثنّى صبح) إضافةً إلى الذراع الإعلامية للشركة المُنتجة والمتمثّلة بقناتيّ «سما» و «الدنيا» الفضائيّتين.
تقول الدكتورة رانية جبّان، رئيسة لجنة قراءة النّصوص في شركة «سما الفن»: «لا أحد يريد أن يتحدّث عن الوجع السوريّ في دراما رمضان، المحطّات لا تريد اجترار نشراتِ الأخبار على شكل مسلسلات، نحن نعاني صعوبةً في تسويق أيّ عملٍ يتحدّث عن الأزمة وانعكاساتها». وتضيف جبّان: «سما الفن ليست محسناً خيرياً، ولا نرغب في إنتاج مسلسلاتٍ تسقط من حساباتِ الفضائيّات بصورةٍ مسبقة، ونحن نحاول تجاوز هذا المطبّ في إنتاجات هذا العام».
أحد العاملين في أروقة الشّركة أشار إلى أنّ «سما الفن» قد سجّلت تحفّظها على إنتاجِ مسلسل «الحصار» الّذي كان مفترضاً به أن يُشكّل التجربة التلفزيونية الأولى للمخرج جود سعيد، وعن أسباب التحفّظ يقول المصدر: «إنّ العمل يوثّق لثلاثةِ أحداثٍ عسكريّة رئيسة شهدتها سوريا خلال الأعوام الأربعة الماضية، فهو يتناول حرب الجيش العربي السوري مع مسلحي المعارضة في كلّ من مطار منّغ العسكريّ ومشفى الكنديّ وسجن حلب المركزيّ، ويقدّم رواية اجتماعيّة تتوازى مع رافعة العمل الأساسيّة الّتي يُشكّل الجنود والضبّاط السوريّون حجر الزاوية فيها». ويضيف: «نال العمل إشادة فكريّة وفنيّة من لجنة القراءة، لكنّ الإشارة إلى صعوبة تسويقه حالت دون الاستمرار في إنجاز النّص، فأُجهض المشروع».
ضوابط دينيّة وسياسيّة
هذه الأمثلة وغيرها تأتي بمثابة أجوبةٍ عن أسئلة كثيرة تبحث في أسباب تراجع حضور الدراما السّوريّة على الفضائيّات العربيّة الّتي باتت تفرد مساحاتٍ واسعة من بثّها لأعمال تحمل كلّ قيمةٍ ممكنة بعيداً عن مفرزات الحرب السّوريّة، هكذا سقط «حلاوة روح» (نصّ رافي وهبي/ إخراج شوقي الماجري) من حسابات البثّ العربي بعدَ عرضٍ حصريّ على «تلفزيون أبو ظبي»، من دون أن ينجح حضور الممثل المخضرم غسّان مسعود إلى جانب كلّ من مكسيم خليل وعبد المنعم عمايري والرّاحل خالد صالح في تغيير واقع الحال. وضمن هذا السّياق يقول أحد مخرجي الصفّ الأوّل رافضاً الكشف عن اسمه: «ممنوعات السّوق العربيّ كثيرة، تلفزيونات دول الخليج لديها ضوابط دينية صارمة، أُضيفت إليها، مؤخّراً، ضوابط سياسيّة، فهي لا تسمح بتقديم إشاراتٍ إيجابية تخصّ الحكومة أو الجيش السوريين، والمشاهد الّتي يظهر فيها علم الجمهورية العربية السورية سوف تُحذف في المونتاج، هذه المقصّات الّتي تترصّدنا باتت تدفعنا من باب اجتناب «الشرّ» إلى صناعة دراما مسليّة تتناسب مع شروط التسويق الجديدة». ويختتم: «رقابة الدّاخل ليست أحسن حالاً، فإرضاء أصحاب القرار «المجانين» فيها غايةٌ لا تُدرك».
يومَ سُئل وزير الإعلام عمران الزّعبي، في ورشة العمل الّتي عُقدت لإنقاذ الدراما السّوريّة (شيراتون دمشق)، عن الممنوعات الرقابية المحليّة أجاب بما حرفيّته: «علينا أن نكون مرآة للواقع، كلّ ما يُقال في الشّارع يجب أن يقال على التلفزيون، لكنّ الإساءة لمقام الرّئاسة وللجيش العربيّ السوري ولنشيد سوريا ووحدة خارطتها وألوان علمها مرفوضةً تماماً». هذه المحدّدات لم تكن، مع الأسف، أكثر من تنظيرٍ مثالي صرف، والرقابة السورية أثبتت ذلك حين قامت بحذف أكثر من عشر حلقاتٍ من العرض الثاني لمسلسل «وطن حاف» (نصّ كميل نصراوي/ إخراج مهنّد قطيش ومحمد فردوس أتاسي).
«الرقابة لا تعرف ماذا تريد»
يقول السّيناريست عثمان جحا: «يستطيع الرقيب رفض حديثك عن رفع الأسعار أو انتقاد أداء الوزارات بحجّة أنّه يمسّ أمن البلد الّذي صار شمّاعة يعلّق عليها رفضه المتكرّر لأعمالٍ كثيرة، لديّ تجربة مريرة مع رقابة النّصوص الّتي رفضت مسلسل «الدّومري» من دون أن تقدّم تقريراً رسمياً بموجبات الرّفض». ويضيف جحا: «الرقابة لا تدري ماذا تريد، مدير رقابة النّصوص فراس موسى قال إنّ الدومري يُشكّل مفرزة متقدّمة للإسلاميين، علماً أنّ المسلسل يشتغل على إظهار التباين بين الإسلام الشاميّ المعتدل وبين وهابية وتطرّف الدين، رُفض العمل بعد إنجازه كاملاً، من دون أن يقول لنا الرّقيب كيف يسمح بتمرير أعمالٍ تقدّم سفاح القربى على أنّه فعلٌ دراجٌ غير استثنائيّ في قاموس أخلاقيات السوريين».
لن يستكين عثمان جحا، حاله في ذلك حال جميع كتّاب السيناريو في سوريا، للاءات رقيب الدّاخل بعدما بذل جهداً مهولاً لإنجاز نصّ من ألف صفحة، فالدومري أوشك أن يتلمّس فرصة إنتاجٍ محترمة خارج سوريا، يستفيد منها عمال غير سوريين، وتعود بالفوائد والعائدات الربحيّة على دولةٍ أخرى، لتكون سوريا الخاسر الوحيد في هذه المعادلة.
هكذا يبدو صانع الدراما السّوريّة متخبّطاً بين جهاز رقابةٍ داخليّ جاهل، وبين محطّات تتجاهل كلّ ما يخالف «أجنداتها» السياسية الأمر الذي قد يؤدّي، في نهاية المطاف، إلى إفراغ هذه الدراما من هويّتها ما لم تقتنع الدولة بضرورة تحرير الإعلام وتشكيلِ سوقٍ تلفزيونيّ محليّ حرّ يحمي هذه الصنعة وسواها من تهمة التبعيّة والارتهان لشروط الأجنبيّ.

المصدر: السفير/رامي كوسا

دانلود فایل مرتبط با خبر :
شارك برأيك
الإسم:البريد الإلكتروني:
التعلیق:    
ادخل نتيجة العبارة التالية
= 4 + 6
317
التعلیقات